محمد متولي الشعراوي

776

تفسير الشعراوي

جديدة أتحضرها له مرة واحدة ، فتصادفه فرحة واحدة ، أم تحضر له في يوم ربطة العنق واليوم الذي يليه تحضر له القميص الجديد ، ثم تحضر له « البدلة » ؟ ، إذن فكل شئ يأتي له وقع وفرحة . والحق ينزل القرآن منجما لماذا ؟ « لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ » ومعنى « لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ » أي أنك ستتعرض لمنغصات شتى ، وهذه المنغصات الشتى كل منها يحتاج إلى تربيت عليك وتهدئة لك ، فيأتي القسط القرآني ليفعل ذلك وينير أمامك الطريق . « كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا » أي لم نأت به مرة واحدة بل جعلناه مرتبا على حسب ما يقتضيه من أحداث . حتى يتم العمل بكل قسط ، ويهضمه المؤمن ثم نأتى بقسط آخر . ولنلحظ دقة الحق في قوله عن القرآن : وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً ( 33 ) ( سورة الفرقان ) إن الكفار لهم اعتراضات ، ويحتاجون إلى أمثلة ، فلو أنه نزل جملة واحدة لأهدرت هذه القضية ، وكذلك حين يسأل المؤمنون يقول القرآن : يسئلونك عن كذا وعن كذا ، ولو شاء اللّه أن ينزل القرآن دفعة واحدة ، فكيف كان يغطى هذه المسألة ؟ فماداموا سوف يسألون فلينتظر حتى يسألوا ثم تأتى الإجابة بعد ذلك . إذن فهذا هو معنى « أنزل » أي أنه أنزل من اللوح المحفوظ ، ليباشر مهمته في الوجود ، وبعد ذلك نزل به جبريل ، أو تتنزل به الملائكة على حسب الأحداث التي جاء القرآن ليغطيها . ويقول الحق : « أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ » . ونعرف أن كلمة « هدى » معناها : الشئ الموصل للغاية بأقصر طريق ، فحين تضع إشارات في الطريق الملتبسة ، فمعنى ذلك أننا نريد للسالك أن يصل إلى الطريق بأيسر جهد ، و « هدى » تدل على علامات لنهتدى بها يضعها الخالق سبحانه ، لأنه لو تركها للخلق ليضعوها لاختلفت الأهواء ، وعلى فرض أننا سنسلم بأنهم لا هوى لهم ويلتمسون الحق ، وعقولهم ناضجة ، سنسلم بكل ذلك ، ونتركهم كي يضعوا المعالم ، ونتساءل : وماذا عن الذي يضع تلك العلامات ، وبماذا يهتدى ؟ .